الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
460
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
استئناف بياني لأن ما سبقه من الزجر والردع المكرر ومن الوعيد المؤكّد على إجماله يثير في نفس السامع سؤالا عما يترقب من هذا الزجر والوعيد فكان قوله : لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ جوابا عما يجيش في نفس السامع . وليس قوله : لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ جواب ( لو ) على معنى : لو تعلمون علم اليقين لكنتم كمن ترون الجحيم ، أي لترونّها بقلوبكم ، لأن نظم الكلام صيغة قسم بدليل قرنه بنون التوكيد ، فليست هذه اللام لام جواب ( لو ) لأن جواب ( لو ) ممتنع الوقوع فلا تقترن به نون التوكيد . والإخبار عن رؤيتهم الجحيم كناية عن الوقوع فيها ، فإن الوقوع في الشيء يستلزم رؤيته فيكنى بالرؤية عن الحضور كقول جعفر بن علبة الحارثي : لا يكشف الغمّاء إلا ابن حرة * يرى غمرات الموت ثمّ يزورها وأكد ذلك بقوله : ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ قصدا لتحقيق الوعيد بمعناه الكنائي . وقد عطف هذا التأكيد ب ثُمَّ التي هي للتراخي الرتبي على نحو ما قررناه آنفا في قوله : ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ [ التكاثر : 4 ] ، وليس هنالك رؤيتان تقع إحداهما بعد الأخرى بمهلة . و عَيْنَ الْيَقِينِ : اليقين الذي لا يشوبه تردد . فلفظ عين مجاز عن حقيقة الشيء الخالصة غير الناقصة ولا المشابهة . وإضافة عَيْنَ إلى الْيَقِينِ بيانية كإضافة حَقُّ إلى الْيَقِينِ في قوله تعالى : إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ [ الواقعة : 95 ] . وانتصب عَيْنَ على النيابة عن المفعول المطلق لأنه في المعنى صفة لمصدر محذوف ، والتقدير . ثم لترونها رؤية عين اليقين . وقرأه الجمهور : لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ بفتح المثناة الفوقية ، وقرأه ابن عامر والكسائي بضم المثناة من ( أراه ) وأمّا لَتَرَوُنَّها فلم يختلف القراء في قراءته بفتح المثناة . وأشار في « الكشاف » إلى أن هذه الآيات المفتتحة بقوله : كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ [ التكاثر : 3 ] والمنتهية بقوله : عَيْنَ الْيَقِينِ ، اشتملت على وجوه من تقوية الإنذار والزجر ،